محمد بن زكريا الرازي
514
الحاوي في الطب
يوم فرقا وهو على ما حدست على جالينوس أن في البدن في هذه بلغما عفنا وبلغما غير عفن ، فأما في تلك فإن البلغم كله عفن - أعني في النائبة كل يوم . وينبغي أن نعد هذه نحن حيث شئنا في المفردة أو في المركبة ونخبر بالقصة فيه . قال : متى خالط البلغم العفن الصفراء أحدثا حمى يكون منها في أحد اليومين نوبتان إلا أن يكون ابتداء النوبتين متضامتين فتمتزجان ويتولد منهما حمى لا تحفظ طبيعة الغب الخالصة ولا البلغمية الخالصة . قال : والحادث من تركيبها أربع حميات : حمى غب دائمة مع حمى بلغمية دائمة ، وحمى غب دائرة مع بلغمية دائرة ، وغب دائرة مع بلغمية دائمة ، وحمى غب دائمة مع بلغمية دائرة . وهذه التركيبات الأربع صنفان : إما أن تنضم النوبتان فيعسر تعرفها ، أو تكون بين ابتدائها نوبة فيسهل تعرفها إلا أنه قد يفوت كثيرا ذلك لأن البلغمية وإن كانت مفارقة لا ينقى البدن منها ، فلذلك ينبغي أن تعتمد في التعرف على طبيعة الحمى كما وصفنا في كتاب البحران . لي : ينبغي أن ينظر في أدوار الحميات لعله قد يتفق أن تكون من بعض هذه التركيبات حمى مطبقة . ثم تمثل جالينوس أمثلة محصولها هذه الجمل : إذا رأيت حمى في انتهائها وفي انحطاطها قشعريرة حدثت أو نافض أو ضغط وتقبض وصغر النبض وسائر ذلك مما يدل على ابتداء الحميات ، فاعلم أنه قد ابتدأت نوبة ثانية وتفقد وقت الابتداء في النوبة الثانية والثالثة لتعلم أمتقدم هو أم متأخر أم هو بحال أم هو يتقدم أو يتأخر أم على تشبه أم على غير تشبه وحال النوائب وما يظهر من النضج لتعلم من ذلك أي الحميين قد تنقضت وأيها لم تنته ومتى تنتهي ومتى تفارق البتة بما يظهر لك من علامات النضج . البحران ، أنطريطاوس ، قال : ربما كانت الصفراء في هذه أغلب فتكون لذلك أعراض الغب أقوى . وربما كان البلغم أغلب فتكون أعراضها أقوى ، وربما كانت متساويتين وهي في الخالصة منها ، وإذا كانت في الغب كان الاقشعرار غالبا حتى يكاد يكون فيها نافض وتكون النوبة أسخن وأشد تلهبا وإحراقا وأسرع انتهاء ويظهر فيها قيء مرار واختلاف أو عرق ، وإذا كانت البلغمية أغلب كان الاقشعرار أقل والتضاغط في النبض أكثر وأطول مدة والانتهاء أبطأ والعطش واللهيب أقل ولا يكون قيء ولا اختلاف مرار ولا رشح عرق وإذا كانتا متكافيتين - وهي الخالصة - كان الابتداء بالاقشعرار لأن الاقشعرار هو متوسط بين النافض الذي يكون من الغب وبرد الأطراف الكائن من البلغمية ويكون التزيد بسبب الصفراء من أجل أنها تحرك وتحث سرعة السخونة والانتهاء وسبب البلغم يمتنع ويتبين مرة بعد مرة كأن بين الأعراض مجاذبة ففي هذه المجاذبة ربما بردت الأطراف حتى توهم أنه قد حدثت نوبة أخرى وربما يسخن البدن دفعة حتى تظن أن الحمى قد بلغت النهاية ثم لا يلبث أن يعود الاقشعرار ولا يزال كذلك إلى أن تبلغ الحمى منتهاها ويكون الوقت للمنتهى أقل من البلغمية وأبطأ من الغب .